يوليو 25, 2024 6:41 م
أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / أعذب الذكريات

أعذب الذكريات

فؤاد مصطفى عزب
صباح جميل أفلحت في مشاركة زوجتي طعاما ريفيا شممت رائحة الخبز المعد منزليا اخترت اثنين من كعك الصباح الطري تصفحت جريدة «الكنسس ستي ستار»، ألقيت نظرة على التلفزيون الصغير بالمطبخ أكلت من الجبنة التي على المائدة تبسمت في وجه زوجتي المتفائل وأنا أحتسي القهوة.. هذا يوم مشهود في حياتنا.. تأملت شعري المقصوص في المرآة كيف هو يزداد شيبا.. حلقت ذقني مرتين فركت أسناني كما لوكنت أستعد لتقديم دعاية تلفزيونية.. تأنقت كأقصى ما يمكن للرجل أن يتأنق، نوع من البهجة المعروفة المصدر تحتلني لم يفسدها إحساس بقليل من الشفقة وقليل من الرأفة على هذا الوجه المجعد وعلى هاتين العينين المتعبتين وعلى هذا الشخص الستيني الذي لم يصل ولن يصل إلى العالم المثالي الذي بحث عنه.. لاشيء سيفسد فرحتي اليوم ولا أحد سيفسد رغبتي في الاحتفال بهذا اليوم.. هذا يوم سيستلم فيه حفيدي «تاج الحياة» تاجا آخر سيمنحه سعادة رجولية.. غصت في مقعد العربة يسربلني الفرح ويأسرني إحساس بامتلاء هادئ شعورا سحريا منعشا إلى أقصى درجات الانتعاش.. أصل إلى قاعة الاحتفال أصعد الدرج اللولبي العتيق والشديد الارتفاع كالأرنب فرحا وباستمتاع جم.. جدران القاعة بلون السماء وسقفها بلون الرمال تتلألأ فيه مئات المصابيح المنبعثة والمتدلية يفصل اللونين كنار من النحاس الأصفر اللامع ينساب الضوء الخارجي للقاعة عبر نوافذ واسعة يكاد زجاجها لايبين لولا الحواف المذهبة ومخمل الستائر الملموم إلى الجوانب مثل جدلتين.. الجدران مغطاة بلوحات عتيقة فائقة الجمال والإتقان لرسامين مميزين.. الرسوم لازالت حتى يومنا هذا تشع على الرغم من عمرها المديد.. سحر السكينة في القاعة كالماء الآمن الأخضر في المستنقعات العميقة.. الأرواح اللطيفة تحيط بي من كل مكان تأسرني بودها الصافي ترنو بلهفة وانتباه لسماع اسم ابن أو أخ أو صديق أو حبيب.. كل وجوه الأصدقاء التي رأيتها في هذا الحفل تذكرني بالعلاقات الواسعة التي أقمتها بمعزل عن أي ضغط.. الفرح في هذه القاعة ليس حالة فردية.. كنت أترقب ظهـوره ضمن حشود الخريجين.. كنت أنتظره بصفته (بطل الصباح لي).. فجأة أحسست بسعادة تبللني.. شعاع صافٍ منعش من النور انبعث من ردهة القاعة ونفذ إلى روحي.. دمعة كبيرة بعد أخرى تجري على وجنتي وذقني ويدي كان دمعي في هذا اليوم سخيا كسماء تفيض مطرا وما أن رأيته يصعد درجات السلم العتيق الطراز يرتدي معطف تخرجه بلون الجوز.. انطلقت تنهيدة طويلة حارة من أعماق الصدر وقد تسمرت عيناي على ذلك الطفل الذي كان والذي حلق باختياره صوب الحرية والسعادة والتجربة الرصينة التي علمته كيف يفرق بين العظيم والتافه جاء ليعانقني قبل أن يكمل صعوده في تلك اللحظة أدركت أن حياتي اغتنت وأنني أبحث عن أي عصفور لأتعلق بريش جناحيه لأمارس الطيران ما أن غاص وجهه في عنقي.. استسلمت في لحظات من الاستغراق في التأمل لما يشبه الحنين إلى الماضي أقاوم صدأ الزمن أبحث عن صفائي الضائع وأنا أنتظر موعد تسلمه «تاج الحياة» ، ثمة حفنة من الأيام لايمكن أن تنساها مطلقا لها نوع من رائحة بعينها ما أن تمسك بطرفها حتى يفتح باب الذاكرة فورا يقرأ عليك أعذب الذكريات ويرجع بك صوب الماضي مهما طالت مساحته ومهما تراكم جليد السنين..

شاهد أيضاً

كيف ستنعكس زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى كوريا على التبادل التجاري والعسكري؟

شدد خبير أمني ومحلل سياسي على أهمية زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى …